الشيخ محمد رشيد رضا
178
الوحي المحمدي
3 - الإسلام دين العلم والحكمة والفقه : ذكر اسم العلم معرفة ونكرة في عشرات من آيات القرآن الحكيم تناهز المائة ، وذكرت مشتقات أضعاف ذلك ، وهو يطلق على علوم الدين والدنيا بأنواعها ، فمن العلم المطلق قوله تعالى في وصايا سورة [ الإسراء ، الآية : 36 ] : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا أي : لا تتبع ما ليس لك به علم يثبت عندك بالرؤية البصرية ، أو بالروايات السمعية ، أو بالبراهين القطعية ، فإن اللّه يسألك عما أعطاك من آلات هذا العلم الثلاث . قال الراغب في تفسير لا تَقْفُ ، أي : تحكم بالقيافة والظن . وقال البيضاوي ما ملخصه : ولا تتبع ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب . أ . ه . ومنه قوله تعالى في العلم المأثور في التاريخ : ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الأحقاف : 4 ] ، ومنه قوله تعالى في علوم البشر المادية : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الروم : 6 ، 7 ] إلخ ، وقوله في العلم الروحي : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . وهاتان الآيتان في بيان ضعف علم البشر وقلته حتى الدنيوي منه لا يزال يعترف العلماء أيهم أوسع علما بمضمونهما ، وبأن علمهم لا يتجاوز الظواهر ، وقد صرح بعض فحول علماء الغرب بأنهم كلما ازدادوا علما عملوا من حاجتهم إلى تحقيق ما سبق والزيادة عليه ما لم يكونوا يعلمون ، كما قال الإمام الشافعي : كلما أدّبنى الده * ر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علما * زادنى علما بجهلي وقوله تعالى في العلم العقلي : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ [ الحج : 8 ] ، الظاهر أنّ المراد بالعلم فيه : العلم النظري بدليل مقابلته بالهدى والكتاب المنير ، وهو هدى الدين والوحي . وقوله في العلم الطبيعي : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ [ الروم : 22 ] ، بكسر اللام أي : علماء الكون ، ومثله قوله بعد ذكر إخراج الثمرات المختلف ألوانها من ماء المطر ، واختلاف ألوان الطرائق في الجبال وألوان الناس والدواب : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ